فخر الدين الرازي

90

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ثم بلغ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك فقال بعضهم : إنما محمد أذن ولو لقيته وحلفت له ليصدقنك ، فنزلت هذه الآية على وفق قوله . فقال القائل : يا رسول اللّه لم أسلم قط قبل اليوم ، وإن هذا الغلام لعظيم الثمن علي واللّه لأشكرنه ثم قال الأصم : أظهر اللّه تعالى عن المنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسرونها لتكون حجة للرسول ولينزجروا . فقال : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ . ثم قال : وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ثم قال : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ إلى غير ذلك من الأخبار عن الغيوب ، وفي كل ذلك دلائل على كونه نبيا حقا من عند اللّه . المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى حكى أن من المنافقين من يؤذي النبي ، ثم فسر ذلك الإيذاء بأنهم يقولون للنبي أنه أذن ، وغرضهم منه أنه ليس له ذكاء ولا بعد غور ، بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع ، فلهذا السبب سموه بأنه أذن ، كما أن الجاسوس يسمى بالعين يقال : جعل فلان علينا عينا ، أي جاسوسا متفحصا عن الأمور ، فكذا هاهنا . ثم إنه تعالى أجاب عنه بقوله قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ والتقدير : هب أنه أذن لكنه خير لكم وقوله : أُذُنُ خَيْرٍ مثل ما يقال فلان رجل صدق وشاهد عدل ، ثم بين كونه أُذُنُ خَيْرٍ بقوله : يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ جعل تعالى هذه الثلاثة كالموجبة لكونه عليه الصلاة والسلام أُذُنُ خَيْرٍ فلنبين كيفية اقتضاء هذه المعاني لتلك الخيرية . أما الأول : وهو قوله : يُؤْمِنُ بِاللَّهِ فلأن كل من آمن باللّه خائفا من اللّه ، والخائف من اللّه لا يقدم على الإيذاء بالباطل . وأما الثاني : وهو قوله : وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ فالمعنى أنه يسلم للمؤمنين قولهم والمعنى أنهم إذا توافقوا على قول واحد ، سلم لهم ذلك القول ، وهذا ينافي كونه سليم القلب سريع الاغترار . فإن قيل : لم عدى الإيمان إلى اللّه بالباء وإلى المؤمنين باللام ؟ قلنا : لأن الإيمان المعدى إلى اللّه المراد منه التصديق الذي هو نقيض الكفر ، فعدى بالباء ، والإيمان المعدى إلى المؤمنين معناه الاستماع منهم والتسليم لقولهم فيتعدى باللام ، كما في قوله : وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [ يوسف : 17 ] وقوله : فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ [ يونس : 83 ] وقوله : أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [ الشعراء : 111 ] وقوله : آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ * [ الشعراء : 49 ] . وأما الثالث : وهو قوله : وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ فهذا أيضا يوجب الخيرية لأنه يجري أمركم على الظاهر ، ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم ، ولا يسعى في هتك أستاركم ، فثبت أن كل واحد من هذه الأوصاف الثلاثة يوجب كونه أُذُنُ خَيْرٍ ولما بين كونه سببا للخير والرحمة بين أن كل من آذاه استوجب العذاب الأليم ، لأنه إذا كان يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم مع كونهم في غاية الخبث والخزي ، ثم إنهم بعد ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة وخيراته بالشرور ، فلا شك أنهم يستحقون العذاب الشديد من اللّه تعالى . المسألة الرابعة : أما قراءة من قرأ أُذُنُ خَيْرٍ بالتنوين في الكلمتين ففيه وجوه : الوجه الأول : التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن الفاسد الذي تذكرون ، ثم ذكر